محمد عبد الله دراز

140

دستور الأخلاق في القرآن

- كلا . . . فهذا الاستدلال بمقتضى تعريفه ، نفسه يفترض وجود حالة نقيس عليها ، تمثل بها الحالة الجديدة ، وعليه فالحالة النموذج ينبغي أن يسبق ذكرها في القرآن ، أو في الحديث ، أو في الإجماع . وفضلا عن ذلك فإنّ الطّابع المشترك بين الحالتين يجب : إمّا أن ينشئ « 1 » علة التّشريع ، وإمّا أن ينطوي « 2 » عليها . والمراد بالعلة : السّبب الّذي من أجله طبق حل الحالة الأولى . وبناء على ذلك فإذا كان هذا الطّابع المشترك قد عين صراحة في النّص ، أو أعترف به الإجماع ، على أنّه سبب وجود الحل الأصلي . فليس هنالك أية صعوبة ، حتّى من قبل المدرسة الظّاهرية ، لكي نجعل هذا الطّابع دليلا ، بل شرطا ضروريا ، وكافيا للحكم الصّادر من قبل ، ومن ثمّ لا صعوبة أيضا في تعميم هذا الحكم ، وتطبيقه أينما توفرت العلة الثّابتة . بيد أنّه في الحال الّتي لا يمكن فيها استخراج هذا التّعليل ، أو هذه العلاقة السّببية ، إلّا بواسطة جهد دقيق في البرهنة ، قلّ أو كثر - أيجب في هذه الحال أن نعد هذا التّعليل بما يستقى منه من نتائج - مما تقتضيه روح الشّريعة المنزلة ؟ . . في رأينا أنّ الإجابة عن هذا السّؤال ينبغي أن تشتمل درجات ، ولكن سكوت المدرسة الظّاهرية عنه لا يعد على الأقل مانعا من إساءة استعمال بعض الفقهاء للحرية العقلية . وبعكس ذلك مذهب المالكية ، الّذي مضى إلى ما هو أبعد من ذلك في الاتجاه المتحرر ، مستندا إلى ما حدث من أمثلة على عهد المسلمين الأوائل .

--> ( 1 ) انظر : قياس العلة . ( 2 ) انظر : قياس الشّبه .